توفي في الأردن قبل أيّام، الشاعر والكاتب أمجد ناصر، بعدما وزّع، بإرادتهِ، وعلى مدى أكثر من أربعين عامًا، عمره وأسماءهُ الثلاثة على بلدان العالم.

تنقل باسم يحيى النعيمي كما في الأوراق الثبوتيّة الرسمية، ويحيى النميري كما في الكتابات الأولى، وأمجد ناصر كما هو موجودٌ على أغلفة الكتب، وأسماء أخرى حملتها جوازات سفرٍ جزائريّة ويمنيّة انتهت بانتهاء المهمّة التي أُصدرت لأجلها.

بدأ الشعر في حياة أمجد ناصر في مضرب للبدو في تلٍّ صغير جنوبيّ سوريا، ثم وعلى إثر رحلة إلى حلب، صار ماركسيًا، أنضجه حصار بيروت التي فرّ لها من عمّان، ولم يذكر مدينةً مثلما ذكرها في كتبه.

عمل في الصحافة الثقافيّة المكتوبة بين قبرص ولندن، الأمر الذي جعله مطلعًا على المشهد الشعري العربيّ خاصة الحديث منه، تقلّب في الكتابة، فكتب في أجناس أدبيّة متنوعة، وترك الكتابة في أخرى بعد حوارات مع أصدقاء.

العام الماضي اكتشف ناصر إصابته بالسرطان، فأوصى أول ما أوصى أن يدفن في الأردنّ في المدينة التي يسكنها أهله ولم يسكنها من قبل، بموازاة ذلك أسرع بالكتابة وواصل فيها حتّى لم يعد قادرًا على تذكّر من حوله. وفي الثلاثين من الشهر الماضي توفي، ودفن في اليوم التالي في مقبرةٍ تقع على أكثر من طريق سفر؛ طريق جابر المؤدي إلى سوريا، وطريق بغداد الموصلة للعراق، وأقرب من الطريقين تمرُّ بالمقبرة سكة الحديد التي سلكها القطار حاملًا أمجد ناصر خارج البلاد.

الرحلة التي عاد منها ماركسيًا (1955- 1974)

كل صيف، كان العسكري محمّد ينتقل من مكان سكنه في الزرقاء إلى قرية الطرّة على الحدود الأردنية السورية ليكون قريبًا من أهله الذين كانوا يقيمون على الجانب الآخر من الحدود، في قرية تل شهاب السورية.[1] صيف العام 1955 اصطحب العسكريّ محمَّد النعيمي زوجته الحامل إلى الطرّة، وخلال الزيارة فاجأها الطلق، وولدت فضة العويّد طفلًا يوم السابع من آب، أسمياه يحيى.

رجع العسكريّ إلى مكان إقامته في حي جناعة في الزرقاء بالقرب من عمله، لكنه ظلّ يتردد على الطرة وتل شهاب، وكان يصطحب طفله يحيى معه، وهناك سيتعرّف الطفل على لغةٍ جديدةٍ غير لغة أبناء الحيّ في الزرقاء «كان للّغة وظائف أخرى غير توصيل المعنى المباشر، ورسم حدود التعاملات اليوميّة. كان الشعر البدويّ أو الأمثولة أو الحكاية التي يُراد بها شيء آخر غير ظاهر المعنى».[2] وعلى هذه العادة، أمضى يحيى فترة ما قبل المدرسة، وعُطَل المدرسة فيما بعد، هناك في تل شهاب يسمع من جده وجدتهِ الشعر والتوريات في الليل.

كبر يحيى في حيّ جناعة، ودرس الابتدائية في مدرسة حي الرشيد، ثم انتقل إلى مدرسة الثورة العربيّة الكبرى في الزرقاء في الصف الأول الإعدادي، في تلك الفترة تعرّف على الشعر في الكتب المدرسيّة فحاول التقليد، وكتب «عددًا من القصائد التي تجهد للتشبث بعمود الشعر من دون جدوى».[3]

وفي النصف الأوّل من سنة التوجيهي فُصِل لمشاركته «مع طالبيْن آخريْن في السطو على كنتين [أي مقصف] المدرسة وتخريبه».[4] وبعدها انتقل إلى مدرسة الفلاح الخاصة في الزرقاء، وهناك تعرّف على شاب يكبره بعدة سنواتٍ هو إبراهيم المومني. وخلال العطل المدرسيّة سيقوم المومني بتزويده بالكتب الأولى التي يقرأها في حياته، لكنَّ هذه الصداقة لم تكن تروق لوالده العسكريّ الذي أراد لابنهِ دخول «الكلية العسكريّة لأتخرج فيها ضابطًا، أن أحترف العسكريّة مثله، ومثل أبيه من قبله».[5]

كتب يحيى قصائد الشعر العمودي، وجمعها في مجموعتين لم تنشرا، هما: معبد الأحزان، وأغنيات على الطريق الترابي، وقد أسقطهما من مذكراتهِ إلى الأبد، يقول شقيقه أحمد عن هاتين المجموعتين اللتين كان قد قرأهما: «هذه القصائد هي ذاكرة تل شهاب».

وفي العام 1974 رفقة ابن عمّةٍ له يدرس في جامعة حلب، ذهب يحيى إلى سوريا «فارًا من العائلة وشظف الروح في اتجاه تركيا ومنها إلى أوروبا»[6]، لكن ذلك لم يحدث إذ صادف معرضًا للكتاب السوفيتيّ في حلب فاشترى منه كتب البيان الشيوعي، وما العمل؟، وخطوة إلى الأمام خطوتان إلى الوراء، والفولاذ سقيناه. قرأ بعض هذه الكتب فنسي أمر أوروبا، وأراد العودة للأردن لكنه عرف أنَّ الكتب ممنوعة على الحدود، لذا توجه إلى مضارب أقاربه على الحدود في تل شهاب، وهناك قرأ بقيّة الكتب. ونتيجة هذه الرحلة القصيرة يقول: «عدت إلى الأردن ماركسيًا».[7] 

صورة لمقابلة صحفية أجراها يحيى النميري مع فركوح لصالح جريدة الأخبار الأردنية، تاريخ العدد 13/7/1977 أرشيف إلياس فركوح. .

يحيى النميري (1974-1977)

أنهى يحيى التوجيهي عام 1974، ومع بداية هذه المرحلة، مرحلة ما بعد المدرسة، كان يتنقل بين مقاهي عمّان والزرقاء ونادي أسرة القلم،[8] مثلما كان يتنقل في الوظائف التي يدبرها له والده أو تلك التي يحصل عليها بنفسهِ، إذ عمل في الأمن العام كاتبًا مدنيًّا لأشهرٍ قبل أن يتركها وينتقل للعيش في عمّان مع الشاعر زكريا محمد «وبدعم مالي من إلياس فركوح». وعن السكنى مع زكريا قال: «أفدت من تمرّسهِ في الكتابة الشعرية، بقدر ما أفدت من ثقافته الواسعة».[9] ومع هذه المرحلة كان يحيى يترك الشعر العمودي إلى الأبد، وبتأثير قراءاتٍ لشعر سعدي يوسف ومحمد لافي وبدر شاكر السيّاب وميخائيل نعيمة، بدأت قصائد القصيدة الموزونة بالظهور.

كانت فترة إقامة يحيى في عمان فترة الإقامة في المقاهي أكثر من البيت، رفقة ناهض حتر، وإلياس فركوح، ومنذر رشراش، وزكريا محمد، وعماد الرحايمة، وغسان زقطان. وفي هذه الفترة: «كان المقهى درس قصيدتنا الأوّل، ودرس نقدنا المصحوب باستشهاداتٍ مسهبةٍ وتشنجات تأخذ بمجامع الأعصاب».[10] 

يؤكّد فركوح أنَّ العلاقة بدأت بالفعل في تلك الفترة وكان الثلاثة: زكريا ويحيى وإلياس مجموعة لم تنشر نتاجها الأدبيّ بعد، يقول فركوح «أنا كنت معاهم في مقهى الأردن، وكان معانا ناهض حتّر، هذه مجموعة المشاغبين». في حين كان مقر رابطة الكتاب الأردنيين في جبل اللويبدة «مقهى للأعضاء الذين ثبتت قدراتهم الأدبية بالوجه الشرعي».[11]

لأشهرٍ عمل يحيى صحفيًا في جريدة الأخبار اليوميّة الأردنيّة بدوامٍ جزئيّ، وكان فركوح صحفيًا فيها كذلك، وظهر اسمهُ في الصحافة لأوّل مرّةٍ تحت مقابلة أجراها مع فركوح حول الكتابة وكان اسمهُ يحيى النميري.

وبحسب شقيقه أحمد فقد دبَّر الوالد وظيفةً ثانية ليحيى كموظفٍ في التلفزيون الأردنيّ في شؤون الموظفين. وبالمصادفة، كتب يحيى عدة حلقات من مسلسل بدوي للتلفزيون، لا يعرف أحمد اسمه، ولكنه يعرف أنهم «كانوا يعطوه على الحلقة 25 دينار كنا نشوف الشيك». ومثل عمله ككاتب لم يكمل يحيى عمله في التلفزيون إذ طرد منه ومنع من دخولهِ ولم يعرف أحد وقتها سبب طرده من هذا العمل.

انتقلت عائلة يحيى للعيش في مدينة المفرق العام 1976 وفي تلك الفترة استأجر يحيى غرفة في جبل الجوفة في عمّان، وكان يزور عائلته نهاية كل أسبوع. سمع الأب من أقاربه في الجيش قصّه فصل ابنه يحيى من التلفزيون، ومنهم اكتشف، بحسب أحمد، أن ابنه كان يوزّع منشورات للحزب الشيوعي الأردني داخل مبنى التلفزيون، رغم أنه لم يكن عضوًا في الحزب.

انتظر الأب ابنه في بيته الجديد في المفرق، وفي نهاية الأسبوع موعد زيارته، قابله، واحتدم النقاش بينهما على إثر انخراط يحيى في العمل السياسي، إذ كان والده وأقاربه في الجيش، وشكّل انخراط أحد الأبناء في العمل السياسي حينها مصدر قلق. يقول شقيقه أحمد «كنت واقف على الباب من برّا، وسامع صوتهم بالداخل» كان الأب يقول ليحيى «إنت هيك فضحتنا». خرج يحيى يرافقه شقيقه أحمد حتى مجمع الباصات حيث سيغادر يحيى إلى عمان.

ووفقًا لأكثر من رواية كان يحيى ضمن كوادر حزب الشعب الثوري الأردني، في تلك الفترة دبَّر أعضاء في الحزب محاولة لاغتيال الملك حسين في عمان. كُشفت العملية التي لم يعلم بها معظم كوادر الحزب، وبسبب مطاردة الكوادر فرّ معظمهم خارج البلاد. يؤكد شقيقه أحمد انخراط يحيى في الحزب، ويؤكدها كذلك رفيقه فركوح «هذه رواية أقرب للدقة، لكنه [يحيى] لم يكن متورطًا».

بقي يحيى في عمان لشهرين دون أن يقوم بالزيارة الأسبوعية المعتادة لعائلته، وعندما بحث عنه أحد أشقائه لم يجده، ولا وجد أحدًا من أصدقائه. وهكذا فرّ يحيى إلى بيروت، إذ استقل القطار من عمّان إلى سوريا، ولم يخبر أحدًا.

غادر يحيى الأردن، وكانت آخر وظيفة شغلها هي وظيفة سكرتير تنفيذي في رابطة الكتّاب الأردنيين. ومنذ مغادرته تلك، عام 1977، لم يعد يحيى النميري موجودًا.

الصورة على اليمين لأمجد ناصر مع عائلته طفلًا وهو على يمين الصورة. والصورة على اليسار لأمجد ناصر في بيروت عام 1977

اسم وشكل وشِعرٌ جديد (1977-1982)

وصل يحيى إلى بيروت، وبعد أشهر، ترك اسمه يحيى النعيمي في الأوراق الثبوتيّة، ويحيى النميري في الأدب والصحافة، ليصير اسمه أمجد ناصر، وترك كذلك طريقته في الكتابة «مغادرتي قصيدة الوزن (التفعيلة)». وفي تموز من العام 1978 تزوج من هند الصاروط وهي فتاة من بعلبك. وفي العام نفسه حصل اجتياح إسرائيلي للبنان، وكان أمجد ناصر وقتها مراسلًا لمجلة الهدف التي تصدرها الجبهة الشعبيّة، وعن هذا الاجتياح يقول: «شهدته بأم عيني كمراسل لمجلة الهدف في جنوب لبنان».[12]

وفي صيف العام 1979، وصلت معلومات للأب أن ابنه موجود في بيروت، اتفقت العائلة على اللقاء في أقرب نقطة حدودية بين الأردن وسوريا في درعا، يقول شقيقه أحمد: «شفناه 1979 في سوريّا، هون بدرعا، عند قرايبي، أبوي ما عرفه، شكله متغيّر». ودع العائلة في درعا ورجع إلى بيروت «وما عاد شفناه»، يقول أحمد. وفي هذه السنة تسارعت الأحداث في حياة أمجد ناصر إذ ولدت له يارا، وأصدر ديوانه الأول مديح لمقهى آخر، وقرّر الدراسة في معهد الاشتراكية العلمية في اليمن الديمقراطي قبل أن يتركه ربيع 1981.

وفي بيروت، دخل ناصر أجواء المدينة سريعًا، والتي تمثّلت بتيارين «يبدوان متناقضين: سياسيًا في الفاكهاني وشعريًا في الحمرا. الأول معقل الثورة الفلسطينية، والثاني مسرح الكتابة والسجالات السياسيّة والشعرية المناوئة التي تدور على طاولات مقاهي الرصيف».[13]

قبل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982 كان ناصر قد عُيّن مشرفًا على البرنامج الثقافي في الإذاعة الفلسطينية. وكان يسكن محلة أبو شاكر في بيروت، ويزور دمشق بين فترة وأخرى ليتنفس هواء البلاد، عبر لقاء مجموعة من الأردنيين الذين يدرسون في دمشق وبينهم الكاتب موفق محادين.[14]

عندما بدأ القصف على بيروت من قبل الطيران الإسرائيلي كان ناصر في دمشق فعاد إلى بيروت إلى محل عمله، وشهد الحصار. «تكثّفت الغارات على بيروت، وصار عملنا في المقر الرئيسي للإذاعة الفلسطينية خطرًا فانتقلنا من الفاكهاني إلى هذا المقر السريّ قرب المدينة الرياضية». في تلك الفترة حمل ناصر السلاح لأول مرة «لم أحمل الكلاشينكوف ذا الأخمص الحديدي الذي لدي في شوارع بيروت من قبل، الآن أحمله».[15] 

وخلال حياته، كان الموت قريبًا من ناصر أكثر من مرّة، مرّة إثر نقاش سياسي وجّه له فيه مجادله الاتهام بأنه يساريٌّ يعمل في إذاعة تخضع لحركة فتح وهو ابن تنظيم ماركسي أي الجبهة الشعبية، ليرفع الاثنان أسلحتهما على بعضهما، لولا تدخل زملاء في الإذاعة «فضّوا الاشتباك الذي كاد أن يودي بحياة أحدنا»،[16] وكان الموت قريبًا في مرّة أخرى عندما حاول فصيل مسلّح وبسبب خلاف سياسي اغتياله في العام 1979 عن طريق إلقائه من أعلى مبنى مجلة الصمود التي كان يعمل فيها ناصر محررًا.

وفي أحد أيّام الاجتياح، بدأ القصف بجوار الإذاعة فرأى ناصر الموت وبدأ الركض، لا يعرف إلى أين، وصل بيته ومن ثم هام ركضًا في أحياء مختلفة من بيروت، والطائرات تقصف «أركض ولا أعرف إلى أين، الطائرات فوق رأسي كأنها تطاردني شخصيًا».[17] بعد مدة من الركض قرر العودة، إذ كان على الإذاعة أن تواصل البثّ، وكان عليه أن يكتب على الواقف بأي ورقة تقع تحت يده.

في الحصار، تعرّف ناصر على غالب هلسة القادم حديثًا من بغداد، وعلى سعدي يوسف. وعن علاقته بالشعر في الحصار يقول «يبدو أنني غير قادر على كتابة الشعر هذه الأيّام، هناك كثيرون يكتبون لا أعرف كيف، ولكني لا أستطيع كتابة الشعر. مقابل ذلك أكتب كثيرًا للإذاعة، أحيانًا عدة مرات باليوم، مقالات وخواطر تشبه الشعر».[18]

وقد تطوّرت شخصية ناصر الصحفية خلال الحصار، إذ كان يطلع على أغلب ما يذاع ويكتب في الصحافة والإذاعات، مثل مونتي كارلو، وصوت لبنان العربي، والصحافة المكتوبة، ويحضر المؤتمرات الصحفية، ويقيم علاقات مع مراسلين في الميدان أثناء القصف، كما كان على تماسّ مع قيادة الثورة الفلسطينية، مثل ياسر عرفات وخليل الوزير وسعد صايل، وكان يسمع كل حكايات المقاتلين التي يأتي بها غالب هلسة للإذاعة من الميدان. هكذا تشكلت شخصيّة أمجد ناصر الصحفي.

وفي يوم 19 آب 1982 سلّم ناصر بندقيته الكلاشينكوف والذخيرة، إذ كان من المقرر أن تخرج الدفعة الأولى من مقاتلي المقاومة من لبنان في اليوم التالي، وكان من المفترض أن يغادر ناصر إلى تونس. خرجت الدفعة الاولى، والثانية، وناصر حائرٌ لا يعرف إلى أين يذهب، ليقرّر في النهاية المغادرة إلى دمشق. ويوم 23 نام ناصر في مبنى الإذاعة، على أن يغادر في اليوم التالي بيروت التي لم يكتب فيها من الشعر إلّا «منذ جلعاد كان يصعد الجبل» وبعض قصائد «رعاة العزلة».

بدويٌّ طيّرت الريح مضربهُ (1982-1989)

لم يطل المكوث في دمشق، إذ انتقل إلى قبرص. وكانت مرحلة قبرص، مرحلة الجفاف في الكتابة إذ لم يصدر غير ديوانٍ واحدٍ هو «رعاة العزلة» وحتى هذا الديوان كان جزءًا من قصائده قد كتبت في بيروت. لكن خيط الشعر ظلّ، ليس كتابةً إنما حوارات وتأملٍ فيه، وكان صديقه الشاعر السوري نوري الجرّاح هو من أبقى «وتر الشعر طول الوقت، مشدودًا ومتحفزًا»[19] بهذه الحوارات.

وبين العامين 1986 و1987 كان ناصر يبحث عن وجهة ما، وفي رأسه إمّا عمّان وإمّا تونس، «لكنَّ عمّان لم تكن متيسرة بسبب الظرف السياسي، فتظل تونس هي الخيار الوحيد».[20] إذ رفضت السفارة الأردنية في أثينا، ووقتها لم تكن في قبرص سفارة أردنية، منح ابنته يارا، ابنة السنوات السبع، جوازًا أردنيًا لأسباب أمنية، فيما قرّرت السلطات القبرصية ترحيلها، و«كان ذلك إيذانًا بدق أجراس الرحيل».[21]

لكن تغيّرًا في الوجهة حصل عندما وقّع ناصر عقدًا مع الناشر الكويتي داود سليمان مديرًا لتحرير مجلة معنية بالسينما في لندن، وهناك استقبله نوري الجراح، ومع الأيّام الأولى شهد ما لم يعرفه من قبل، أي حركة الناس الكثيفة في طرقات المدينة، سأل ناصر: «لكن من أنا في هذه المدينة؟ بدويٌّ طيّرت الريح مضربهُ».[22] 

في لندن، سكن حي «ساوثول» (Southall) مع طفليه، يارا وأنس المولود حديثًا، حيث يعيش المهاجرون الهنود، وتربى أطفاله بين لغات الأوردو والبنجابي والهندي، وتعلّم طفلاه البنجابية بدل الإنجليزية، وعرفوا الأعياد الدينية والقومية للهنود أكثر من أعياد بريطانيا. وشيئًا فشيئًا بدت له محنة الهوية «نعيش حالة ترانزيت، نفكر في العودة لكننا لا نعود، نبقى ولكن على السطح، نعيش بين أناس المكان الجديد دون أن نترك أثرًا فيهم، نريد للزمن أن يمر بأي ثمن».[23]

في هذه المرحلة سيجد ناصر في النثر المساحة بعدما قيدته القصيدة، لكن ليس النثر على شكل قصة ورواية فهذه أصنافٌ يقول فيها «ما آنست في نفسي ميلًا أو قل قدرة على كتابة القصة والرواية»،[24] إنما النثر في نصوص أدب الرحلة. 

«كأن كتابة الرحلة وتقصي الواقع كانت أيضًا بمثابة جواب على أسئلة لم تستطع القصيدة (قصيدتي على الأقل) التصدي لها».[25]وهكذا بدأت إصدارات أدب الرحلة في مشروع ناصر، وكانت البداية بكتاب خبط الأجنحة في العام 1996. ومع هذا الكتاب كان الشعر حاضرًا أيضًا، فكانت مجموعة «وصول الغرباء» ثم «سُرَّ من رآكِ»، وسيوحي له سقوط غرناطة بكتابة مجموعته الثالثة في لندن، والسادسة في مشروعه الشعري أي «مرتقى الأنفاس».

غير أنَّ حوارات عديدة مع الشعراء العرب المقيمين في لندن أو أولئك الذين مرّوا بها، وقراءات أكثر في النقد، أدخلت شكوكًا حول الشكل الذي يَكتب فيه الشعر. وكان يُمكن لولا نوري الجراح وصبحي حديدي أن يدخل ناصر حقل القصة القصيرة، إذ كان يكتب نصوصًا ويضعها في مخطوط تحت عنوان «قصص قصيرة فعلًا». عرض ناصر النصوص على نوري الجراح استمرارًا لتقليد قديم بينهما، وسأله عن شكل النصّ، فقال الجراح بأنها قصائد. ثم جاء «التطمين الثاني ذو البعد النقدي من صبحي حديدي (..) طلب مني تغيير العنوان المبدئي الذي وضعته للكتاب (..) فيظن القارئ أنه مقبل على قراءة قصص قصيرة»،[26] وهكذا خرج الكتاب «حياة كسرد متقطع».

وفي الكتابة الصحفية دخل ناصر مع عبد الباري عطوان تجربة القدس العربي، وفيها سينشر لعشرات الكتّاب الشباب في الوطن العربي إذ كان مسؤولًا عن القسم الثقافي فيها. ومراسلًا كذلك طار إلى معظم عواصم الدول العربية، وكندا وأوروبا ووفرت له هذه التنقلات نبعًا آخرًا ليستمر في كتابة أدب الرحلة.

على اليمين، أول ديوان لأمجد ناصر ويحمل توقيعه لإلياس فركوح، وعلى اليسار ظهر صورة كتب عليها ناصر لفركوح.

الأردن بدءًا من 1990

في شهر تموز من العام 1990 دخل أمجد ناصر الأردنّ عبر مطار الملكة علياء الدولي، وفور وصوله أخذت المخابرات جواز سفرهِ، وطلبوا منه مراجعتهم بعد ثلاثة أيّام. يقول شقيقه أحمد الذي رافقه بشكل يوميّ في رحلته من المفرق إلى عمان لمراجعة المخابرات، وهي الرحلات التي استمرت لمدة 45 يومًا، بعدها راجع مخابرات المفرق عدة أيّام ثم أعطوه جواز سفرهِ، ليسافر بعدها إلى لندن.

في العام 1993 كان ناصر يزور الأردن مدفوعًا بالحنين، إذ لم تحقق الزيارة الأولى غايتها. في هذه المرة بدا كما لو أنه يدخل مدينة أخرى غير عمان، «أعتصم في فندق [القدس] ولا أغادره إلا قليلًا، لم أبت ليلة واحدة خارجه، فمدينة لا تجد فيها سريرًا غير سرير الفندق ليست لك».[27] وهكذا لم ينم إلّا في المفرق، وفي المفرق لم يجد الناس ولا الأصدقاء «قلت لنفسي: الحجارة ليست بيتًا».[28]

هل كانت تلك محاولةً يائسةً منه للعودة إلى حياته الأولى بين الأصدقاء عندما كان اسمه يحيى النميري، وعندما فشلت المحاولة لجأ لاسمه الثاني أمجد ناصر الشاعر، الذي يدخل الأردنّ ضيفًا على مهرجان جرش؟

وبديلًا عن عمّان التي لم يجدها كما كانت، جال ناصر مدنًا وأماكن بعيدة عن العاصمة، من أم الجمال والكرك والمفرق، أماكن لم يزرها من قبل، طاف الأرجاء البعيدة عن ذاكرتهِ في عمان والزرقاء التي كان اسمه فيها يحيى النميري. وفي مراسلاته الكثيرة مع شعراء أردنيين، ينشر لهم على صفحات جريدة القدس العربي، كان السؤال عن الأردن حاضرًا دومًا.

بدا أن أمجد ناصر قد أتم المقايضة، يترك اسمه الذي عُرف به في صفحات الجرائد الأولى، واسمه الذي عرف فيه في الأوراق الثبوتيّة، ويترك مع الأسماء القديمة حنينه للأمكنة القديمة والأصدقاء، ويستبدلها بشخصيّة الشاعر أمجد ناصر الذي يحضر معرض عمّان للكتاب ومهرجان جرش ويقابل شعراء شبابًا ثم ما يلبث أن يُغادر مثل أي زائرٍ.

أدبيًا، طرق ناصر في العام 2010 الجنس الأدبي الذي لم يجد قبلًا في نفسه ميلًا، فكتب رواية «حيث لا تسقط الأمطار»، وألحقها بأخرى «هنا الوردة» في 2016، واستمر في أدب الرحلات بكتابة «في بلاد ماركيز».

وفي العام 2014 شارك ناصر في تأسيس صحيفة العربي الجديد بعدما ترك العمل في القدس العربي، ثم موقع ضفة ثالثة الثقافي.

كل شيء إلّا الكتابة (2018 و2019)

في شهر أيّار من العام 2018 هاتف أمجد ناصر شقيقه أحمد، وأخبره أن كلية زوجته مصابة بالسرطان، كان أمجد قد تبرع بكليته لزوجته قبل ست سنوات، استأصل الأطباء الكلية، وطلبوا أمجد للفحص فلم يجدوا شيئًا. بعدها بشهر، «ادعثر قدام البيت ووقع واتصل الجيران بالاسعاف، وأخذوه على المستشفى واشتبهوا بجلطة. فحصوه وحكاله [الطبيب] كنا نفكر جلطة، بس يا ريت طلعت جلطة» يقول شقيقه أحمد.

كان ورمٌ على الجهة اليمنى من رأس أمجد ناصر ينمو، أخبر أمجد شقيقه أحمد، كاتم أسراره منذ الطفولة، بما قاله الأطباء، «حجزت بنفس اليوم، وسافرت». حدد الأطباء موعدًا لعملية ناصر، يقول أحمد «قعدنا مع الطبيبة قبل العملية، بيحكي للدكتورة إنت بس تعملي العملية بدك تنتبهي لشغلة، المنطقة المسؤولة عن الكتابة لا تقربي عليها». وبعد العملية، بدأ أمجد العلاج الكيماوي، رافق أحمد أمجد لمدة أربعة أشهر إلى أن أنهى العلاج شهر تشرين الثاني سنة 2018.

 في شهر شباط من هذه السنة 2019 هاتف أمجد شقيقه أحمد وحكى له تفاصيل حالته الصحية إذ طلب الطبيب من أمجد أن يكتب وصيته لأن أيامه باتت معدودة. سينشر أمجد تفاصيل المحاورة بعدها بشهر على الفيسبوك: «في آخر زيارة إلى طبيبي في مستشفى تشرينغ كروس في لندن، كانت صور الرنين المغناطيسي عنده. من علامات وجهه شعرت بنذير سوء. قال من دون تأخير: الصور الأخيرة لدماغك أظهرت للأسف تقدما للورم وليس حدا له أو احتواء، كما كنا نأمل من العلاج المزدوج الكيمو والإشعاعي.
كان مساعده دكتور سليم ينظر إلى وجهي وفي عيني مباشرة، ربما ليعرف رد فعلي.
قلت: ماذا يعني ذلك؟
قال: يعني أن العلاج فشل في وجه الورم.
قلت: والآن ماذا سنفعل؟
رد: بالنسبة للعلاج، لا شيء. لقد جربنا ما هو متوافر لدينا.
وفي ما يخصني ماذا عليّ أن أفعل؟
قال: أن ترتب أوضاعك. وتكتب وصيتك
قلت: هذا يعني نهاية المطاف بالنسبة لي.
ردّ: للأسف.. سنحاول أن تكون أيامك الأخيرة أقلّ ألمًا».

أسرع أمجد في الكتابة، وأصدر مجموعة «مملكة آدم»، وصارت الكتابة على كل شيء، الكمبيوتر، وأوراق دفاتر صغيرة، وقصاصات ورق. طار أحمد إلى لندن في شهر آذار الماضي وجاء بأمجد إلى الأردنّ، كان أمجد يوصي شقيقه «إذا متت بدي أندفن بالمفرق». وفي الفترة الأخيرة كتب ناصر كثيرًا، وكان يردد «أنا بدي شوية وقت». أحد هذه المشاريع عن الصحراء والموسيقار باخ. يقول أحمد «عنده كمية هائلة من الورق، ومرّات بيكتب على الكمبيوتر مباشرة. لما أجا كتب بشكل يومي والفترة إلي كان صعب [يكتب] بسبب عينه كان يخلي ولاد صغار يكتبوا، وفيه إشي كتبه على الدفاتر». يقول أحمد أن تلك الأوراق ستصدر مستقبلًا.

في 30 تشرين الأول توفي أمجد ناصر، وفي اليوم التالي دفن في المقبرة الجديدة بالمفرق التي تقع على بعد أمتار قليلة من سكة حديد الحجاز التي عبرها القطار سنة 1977 وهو يحمل يحيى النعيمي كما في الأوراق الثبوتيّة، ويحيى النميري كما في الكتابات الأولى، وأمجد ناصر كما يُعرف الآن إلى سوريا ومنها إلى بيروت وبلاد كثيرةٍ بعدها.

  • [1]كانت العائلة تتنقل كبدوٍ بين سوريّة والأردن والجليل

    [2]أمجد ناصر، طريق الشعر والسفر، رياض الريس ط 1 سنة 2008 ص 19

    [3] طريق الشعر والسفر ص 20

    [4] طريق الشعر والسفر، ص 23

    [5] طريق الشعر والسفر ص 22

    [6]أمجد ناصر، خبط الأجنحة: سيرة المدن والمقاهي والرحيل، رياض الريّس 1996 ص 37

    [7]خبط الأجنحة ص 37

    [8]نادي أسرة القلم كان ناديًا ثقافيًا في مدينة الزرقاء، وبحسب روايات فقد أسّسه ونشط فيه (سرًا) أعضاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

    [9]خبط الأجنحة ص 32

    [10]خبط الأجنحة ص 83

    [11] خبط الأجنحة ص 86.

    [12]بيروت صغيرة بحجم راحة اليد ص 11، الأهلية أمجد ناصر، ط1 سنة 2013

    [13]طريق الشعر والسفر ص 37 و38.

    [14]بيروت صغيرة ص 23.

    [15] أمجد ناصر، بيروت صغيرة بحجم راحة اليد، يوميات من حصار عام 1982، الأهلية، ط1 سنة 2013 ص 32

    [16] بيروت صغيرة بحجم راحة اليد ص 36

    [17]بيروت صغيرة بحجم راحة اليد ص 38

    [18]بيروت صغيرة بحجم راحة اليد ص 52

    [19] طريق الشعر والسفر ص 42

    [20]خبط الأجنحة ص 23

    [21]خبط الأجنحة ص 25

    [22]خبط الأجنحة ص 31

    [23]خبط الأجنحة ص 143 و 144

    [24] طريق الشعر والسفر ص 44

    [25]طريق الشعر والسفر ص 45

    [26]طريق الشعر والسفر ص 100

    [27]خبط الأجنحة ص183

    [28] خبط الأجنحة ص 183

المقال من موقع
حبر

Previous post

حانت فرصتك لممارسة هوايتك فوق المعابد الفرعونية

Next post

كيف كشفت سمكة قرش سر اختفاء سائح بريطاني؟

No Comment

Leave a reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *