العشرينيات والثلاثينيات: أوّل سينما

في أحد الأيام خلال عشرينيات القرن الماضي في مدينة إربد، دعا مصطفى الشمّاع التاجر عبده يغمور لحضور عرض فيلم في صالة البترا التي أسّسها حديثًا. بحسب حفيده، لبّى يغمور الدعوة، وبعد انتهاء العرض سيطرت على رأسه فكرة واحدة، وهي التوجه للشام لجلب تجهيزات صالة سينما جديدة.

يقول الطبيب عبد الفتاح يغمور حفيد عبده يغمور والذي رافق جدّه حتى وفاته عام 1993 «هي [البترا] ما كانت سينما، هي ماكينة عرض تشتغل على البطاريّة، تدخل الناس وتقعد على الأرض» ليتنقل بعدها يغمور الجد بين الأردن والشام، ويؤسس سينما الزهراء، «بلش يبني فيها أواخر العشرينيات والافتتاح كان بداية الثلاثينات».

هذا هو التاريخ التقريبيّ الوحيد لتأسيس أول صالة سينما في إربد. في كتابه مرايا الصبا ينقل نبيل حداد «معلومات اعتمدت على كلام المجالس والروايات المتداولة» إنَّ مؤسس سينما البترا هو فرح إسحاق ومنه انتقلت ملكيتها إلى مفلح الحسن الغرايبة وبعدها إلى مصطفى الشمَّاع.

استورد يغمور مولد كهرباء لتشغيل سينما الزهراء التي بناها على أرضٍ للشيخ عبد القادر التلّ وكان شريكه، يقول عبد الفتاح يغمور «صارت الناس تقله مدلك لمبة، المتصرفيّة أول ما مدّت لمبة من عنده، بعدين الناس صارت تمد من عنده، بعدين جاب ماتور ثاني، وبعدها ماتور ثالث وبعدها أسس شركة كهرباء إربد العربيّة المساهمة».

مع مطلع الألفية الحالية، كانت معظم صالات السينما التاريخية في إربد قد هُجرت، ومع مرور الوقت تم هدمها. في هذا التقرير نستعرض تاريخ صالات السينما في إربد، والتي لم تكن تعرض الأفلام فقط، وإنما أقيمت فيها كذلك عروض المسرح والرقص والترفيه وأنشطة سياسيّة، وقبل ذلك شكلت بذرة شركة الكهرباء العربيّة.

سينما الفردوس قبل هدمها

من الأربعينيات إلى الستينيات: دورٌ سياسي و اجتماعي

شهدت صالات السينما في هذه الفترة نشاطاتٍ سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة، إذ جمعت صالة الزهراء حفل تأبين شاعر الأردنّ عرار الذي أقيم سنة 1949. يقول عبد الفتاح يغمور: «كانت الزهراء ملتقى سياسي، المظاهرات ضد الحكومة تطلع من قدام السينما».

وفي الخمسينيات كانت السينما تشغل وقت أبناء إربد، وتمثّل متنفسًا لهم إما فرادى أو عائلات، يذكر السينمائيّ إحسان أبو غنيمة وسائل التسلية في المدينة لشباب الخمسينيات: «كانت السينما هي الوسيلة الأكثر انتشارًا بين الجماهير كفنٍ شعبيّ يُعتبر أحد أبرز ضروب التسلية الرخيصة»[1].

إضافة إلى الأفلام شهدت هذه الصالات عروض شمشون العرب الذي «كان يأتي إربد وهو يضع الحجارة الكبيرة فوق صدره ويكسرها أحد الأشخاص بالمهدّة ثم يخرج مع الناس بعد انتهاء عرضهِ هذا داخل السينما إلى شارع السينما ليجرّ باصًا بأسنانه».[2]

في هذه الفترة راجت الأفلام الأجنبيّة أكثر من الأفلام العربيّة. يورد نبيل حدّاد فيلمين بارزين من تلك الفترة «شكّلا حدثًا سينمائيًا بارزًا في إربد»[3] الأوّل كان بعنوان «من أجل أبنائي»، أما الثاني فكان «سنجام»، وكذلك أفلام طرزان وأفلام الكاوبوي وأفلام الغرب الأمريكي.

لأكثر من ستين عامًا راقب عبد النور علّوه روّاد سينما الزهراء بحكم عمله في محل ملابس في شارع السينما، ومن ثم صاحب بسطة ألعاب أطفال في نفس الشارع. يقول علّوه وهو من مواليد 1938: «حضرت فيها بجوز أكثر من 20 فيلم»، وكان ثمن التذكرة بحسب علّوه: «7 قروش، بعدين 13 قرش، وكان هذا بين 1955-1960». 

وكان من المعتاد في تلك الأيّام أن تُجرى نقاشات طويلة بعد عروض الأفلام، وأن يكون شارع السينما مسرحًا لهذه النقاشات لدرجة أنه كان: «من النادر أن ترى شخصًا وحده». وكان يوما الإثنين والخميس مخصصين للنساء، يروي إحسان أبو غنيمة الحكاية التالية «جاء قريبي أبو نظام إلى البيت في الوقت الذي كانت فيه زوجته أم نظام قد ذهبت إلى السينما، فطلب من ابنه نظام الذي كان يلعب معي في الحارة الذهاب إلى صالة السينما لإخبارها بقدوم والده، حيث ذهبت معه وكانت في سينما الزهراء حيث سمحت لنا السيدة التي تقف على الباب بالدخول إلى الصالة للبحث عن والدته حيث أخبرها بالمطلوب (..) ومما أثار دهشتي حينها اكتشاف أنَّ حفلات السيدات كان يجري فيها تغيير من يقف على الباب ومن يقطع التذاكر وكان اسمه ذيب سريان الحتاملة لتحتل مكانه سيدتان»[4].

بعض بوسترات الأفلام التي كانت تعرض في السينما في مراحل مختلفة من عمرها.

أسس عبده يغمور في الخمسينيات سينما دُنيا، ووقتها لجأ «إلى طريقة ذكيّة للإعلان عن الحدث، إذ علّق لافتةً قماش في فضاء الشارع العريض أمام الدار المزمع افتتاحها، يعلن فيها عن جائزة لمن يقترح اسمًا لدار السينما الجديدة، ومع أنَّ كل الناس كانوا يتحدثون عن سينما دنيا بوصفه الاسم الجديد للدار الجديدة حتى قبل افتتاحها فقد عمد كثيرون، لتقديم اقتراحاتهم مكتوبةً (..) لمن صادفوه في الدار أيّام تجهيزها».[5] 

 فتنت هذه العروض أبناء القرى القريبة من إربد، فكانوا يأتون المدنية جماعات ويعودون إلى قراهم جماعات. روى الكاتب هاشم غرايبة الذي سكن قرية حوّارة القصّة التاليّة عن يوم عيد من أعياد الستينيات: «كل عيد أجمع العيديات، مشان أروح السينما وظليت ألح على أخوي بس هو ملهوش مزاج بالأفلام، نظل نستنّى، آخر إشي نشوفلنا حمار سايب نركبه ونروح».

وفي شارع إيدون، أقيمت سينما الجميل، يقول أحد جيران هذه الصالة لحبر: «صاحب السينما اسمه فوزي محمد عثمان الخيّاط أبو جميل، ويمكن سمّى السينما على اسم ابنه». «وقيل يومذاك إن افتتاحًا احتفاليًا جرى للدار الجديدة دعي إليه عدد من المسؤولين الرسميين وأصدقاء أصحاب الدار ومعارفهم قدمت خلاله كاسات البوظة (الآيس كريم)»[6].

السبعينيات والثمانينيات: بداية الانحدار

أثَّرت أفلام هذه الصالات على جيل الشباب في المدينة، فتسمّى بعضهم بأسماء شخصيات شاهدوها في تلك الأفلام. «أخذت الأسماء التي حملتها شخصيّة فريد شوقي في أفلامه تنتشر ألقابًا يحملها كثيرون من الجدعان، ولا سيما الكادحون والصنايعية و العتَّالون بخاصة»، كما كان الممثل أحمد رمزي نموذجًا يتطلع إليه الشباب ذوو الميول الرياضية، «مثل صقر الملاكم من نادي الشباب الاجتماعي في المخيم [مخيم إربد] الذي أُطلق عليه لقب أبو الرمز تشبيهًا بأحمد رمزي»[7].

آخر ما شيّد في المدينة كانت صالة سينما زهران في شارع بغداد ومعها صالة الاستديو، لكن بعد تأسيس هذه الصالات بسنوات قليلة بدأ الانحدار، إذ ظهرت أشرطة الفيديو نهاية السبعينيات وشُدَّدَت الرقابة على العروض، «كان المحافظ شغلته السينمات، كان يقول ما بدنا نشوف إجر بنت أو فخذة»، يقول عبد الفتاح يغمور. في هذه الفترة ضاق عبده يغمور ذرعًا بقلّة العائد الماديّ والرقابة المشدّدة على صالتيه، ولذا«بداية الثمانينيات أجرّ سينما دنيا والزهراء».

وفي محاولة للتدارك، فتحت بعض صالات السينما عروضها لطلاب المدارس، يروي سامر بني ياسين (46 سنة) طريق الذهاب من المدرسة إلى سينما الجميل رفقة طلّاب مدرسة ابن زيدون الابتدائيّة في إربد: «رحنا يا بعيد المولد النبوي، يا بعطلة الإسراء والمعراج على السينما، وهناك حضرنا فيلم الرسالة، كان الأستاذ يلمّ منّا شلن على الواحد، ونروح مع بعض معنا أستاذ ومشرف، بس يخلص الفيلم نروّح على الدار».

سينما الفردوس عند تجهيزها للهدم

التسعينيات والألفينيات: النهاية

عمل زيد عليّان في صالة زهران كبائع تذاكر منذ بداية التسعينيات حتى العام 1996 «لمّا طلع الستالايت بلشت الحركة تخف (..)، كان ييجي عائلات وأكثر من مرة أجت الأميرة بسمة وجوزها يحضروا عروض أفلام. بعد الـ(1996) بطّل حدا يحضر سينمات».

مع بداية الألفيّة بدأ حسن بطاينة العمل في صالة الفردوس على شبّاك التذاكر بعدما أمضى السنوات السابقة متنقلًا بين عدة صالات في إربد، ليقضي 15 سنةً كاملةً في سينما الفردوس حتّى إغلاقها العام 2017.

وفي فترة ما قبل الهدم بقليل، قلّ رواد صالات السينما، وانتشرت بعض لقطات الأفلام الإباحيّة في السينما لجذب الجمهور، وركزت الصالات على الأفلام الهندية كذلك أملًا بإحياء شباك التذاكر. في ذاك الوقت سكن أحد الشبان إلى جوار صالة سينما الجميل، وكان يفتح شبّاك غرفته على جدار صالة السينما، كما يروي سامر الذي يعمل في الشارع منذ عام 89، «حفظ كلّ أغاني الأفلام الهنديّة، صار يغنيّ هندي، ولما إنجنّ بطل يحكي غير هندي».

وفي يوم من أيّام العام 2017 هدمت صالة سينما الفردوس. لا يعرف أحدٌ من تقدّم خطوةً ووضع لافتةً على بقايا جدارٍ فيها، أو لماذا قام بهذه الخطوة، تقول اللافتة: «بواقي آثار آخر سينما في إربد. سينما الفردوس تأسست عام 1913». 

لافتة تدل على آخر ما بقي من سينما الفردوس، تصوير عمّار الشقيري


[1] سيرة الناقد السينمائيّ أيّام صباه (1) 1952-1965 من الذاكرة السينمائيّة» حسّان أبو غنيمة 1994  ص 148
[2] – مرايا الصبا مذكرات نبيل حداد ص 165 دار حمادة للنشر والتوزيع إربد 2018
[3] نبيل حدّاد «مرايا الصبا»- مؤسسة حمادة للنشر والتوزيع بدعم من وزارة الثقافة 2018 ص 189.
[4] الناقد السينمائيّ أيّام صباه (1) 1952-1965 من الذاكرة السينمائيّة» حسّان أبو غنيمة 1994  ص 124
[5] – نبيل حداد –مرايا الصبا ص 169 سنة 2018 دار حمادة
[6] – نبيل حداد – مرايا الصبا ص 170 سنة 2018
[7]
 – نبيل حداد ص 187

المقال من موقع
حبر

Previous post

هذه الدول تعرض جنسيتها للبيع مقابل الاستثمار

Next post

شركة طيران تطلق تذاكر بقيمة 1 دراهم من دبي إلى الفلبين

No Comment

Leave a reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *